الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
347
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اقتضاه قوله تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ [ الجاثية : 6 ] . وإثبات انفراد اللّه تعالى بالإلهية بدلائل ما في السماوات والأرض من آثار خلقه وقدرته في جواهر الموجودات وأعراضها وإدماج ما فيها مع ذلك من نعم يحق على الناس شكرها لا كفرها . ووعيد الذين كذبوا على اللّه والتزموا الآثام بالإصرار على الكفر والإعراض عن النظر في آيات القرآن والاستهزاء بها . والتنديد على المشركين إذ اتخذوا آلهة على حسب أهوائهم وإذ جحدوا البعث ، وتهديدهم بالخسران يوم البعث ، ووصف أهوال ذلك ، وما أعدّ فيه من العذاب للمشركين ومن رحمة للمؤمنين . ودعاء المسلمين للإعراض عن إساءة الكفار لهم والوعد بأن اللّه سيخزي المشركين . ووصف بعض أحوال يوم الجزاء . ونظّر الذين أهملوا النظر في آيات اللّه مع تبيانها وخالفوا على رسولهم صلى اللّه عليه وسلّم فيما فيه صلاحهم بحال بني إسرائيل في اختلافهم في كتابهم بعد أن جاءهم العلم وبعد أن اتبعوه فما ظنك بمن خالف آيات اللّه من أول وهلة تحذيرا لهم من أن يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل من تسليط الأمم عليهم وذلك تحذير بليغ . وذلك تثبيت للرسول صلى اللّه عليه وسلّم بأن شأن شرعه مع قومه كشأن شريعة موسى لا تسلم من مخالف ، وأن ذلك لا يقدح فيها ولا في الذي جاء بها ، وأن لا يعبأ بالمعاندين ولا بكثرتهم إذ لا وزن لهم عند اللّه . [ 1 ] [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تقدم القول في نظائره ، وهذه جملة مستقلة . [ 2 ] [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 2 ] تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 2 ) استئناف ابتدائي وهو جملة مركبة من مبتدأ وخبر . الْكِتابِ هو المعهود وهو ما نزل من القرآن إلى تلك الساعة . والمقصود : إثبات أن القرآن موحى به من اللّه إلى رسوله صلى اللّه عليه وسلّم فكان مقتضى الظاهر أن يجعل القرآن مسندا إليه ويخبر عنه فيقال القرآن منزّل من اللّه العزيز الحكيم لأن كونه منزلا من اللّه هو محل الجدال فيقتضي أن يكون هو الخبر ولو أذعنوا لكونه تنزيلا لما كان منهم نزاع في أن تنزيله من اللّه ولكن خولف مقتضى الظاهر لغرضين : أحدهما : التشويق إلى تلقي الخبر لأنهم إذا سمعوا الابتداء بتنزيل الكتاب استشرفوا إلى ما سيخبر عنه ؛ فأمّا الكافرون فيترقبون أنه سيلقى إليهم وصف جديد لأحوال تنزيل